تعرف شركة الدباغ كشركة عالمية مرموقة في مجال التصميم المعماري تترأسها المعمارية السعودية سمية الدباغ. تشتهر الشركة بمشاريعها المعاصرة والمتجذرة ثقافيًا في منطقة الخليج العربي. وقد كُلّفت في عام 2018 من قبل دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي بقيادة مشروع إعادة تطوير أول متحف في دولة الإمارات العربية المتحدة بمدينة العين.
يحتفي المشروع بتاريخ المنطقة الممتد لأكثر من 8000 عام، إذ يقدم رؤية معمارية معاصرة تربط الماضي بالحاضر، وتحافظ في الوقت نفسه على الإرث الثقافي للمكان بما فيه من البقايا الأثرية والمباني التاريخية.
الجذور التاريخية للموقع
يقع متحف العين في مدينة العين التابعة لإمارة أبوظبي، بمحاذاة واحة العين وضمن النطاق الوقائي لموقع مدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وتبلغ مساحته الإجمالية نحو 8,000 متر مربع، ويشمل إعادة تطوير مبنيين تاريخيين ذوي أهمية خاصة:

- حصن سلطان بن زايد آل نهيان (حصن سلطان) المبني من اللبن (الطوب الطيني) عام 1910 بأمر من الشيخ سلطان بن زايد الأول.
- متحف العين الوطني، أول متحف في دولة الإمارات، أسسه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 1969.
في عام 2019، وخلال أعمال تنفيذ التصميم الأولي للمتحف، تم الكشف عن مكتشفات أثرية ذات أهمية بالغة في الموقع، شملت شبكة متطورة من الأفلاج والآبار ومدفنًا أثريًا، مما سلط الضوء من جديد على السياق التاريخي والثقافي للمنطقة.
واستجابة لذلك، تم تعليق أعمال الإنشاءات مؤقتًا، وتكليف فريق متخصص من علماء الآثار بإجراء مسح شامل للموقع تضمن أعمال التنقيب المنهجي والتوثيق وتقييم النتائج.
أسهمت هذه الدراسات في توفير سجلات وتحليلات دقيقة، مما ساهم في ضمان الحفاظ على هذه المقدرات النفيسة للمكان، ولعبت دورًا أساسيًا في توجيه المراحل اللاحقة من تطوير المتحف.
في عام 2020، أدت هذه الاكتشافات إلى وضع خطة لتطوير المشروع من جديد بالتعاون الوثيق بين الجهة المالكة وشركة الدباغ للهندسة المعمارية.
وقد استدعت النتائج إعادة تصميم شاملة للمتحف، شملت توسيع الموقع والبرنامج الوظيفي لاستيعاب المكتشفات الأثرية وعرضها، وإعادة صياغة العمارة لتكون وعاءً لصون التراث.
يمثل المتحف الناتج تكوينًا مدروسًا بعناية يدمج بين النسيج التاريخي للموقع، والمشهد الأثري، والشكل المعماري المعاصر في كل متماسك. وتعاملت شركة الدباغ للهندسة المعمارية مع المشروع انطلاقًا من التزام راسخ بالحفاظ على روح المكان وصون ذاكرته.
وتوضح سمية الدباغ، مؤسسة شركة الدباغ للهندسة المعمارية:
“تم نسج المبنى الجديد حول العناصر الأثرية والهياكل القائمة، بما يخلق روابط على مستويات متعددة؛ بين القديم والجديد؛ وبين متحف عام 1969 المُعاد تأهيله، والحصن المُرمم، والتوسعة الجديدة؛ وبين الكتلة المعمارية والآثار. وتتجسد استمرارية الإرث من خلال لغة تصميم معاصرة تحترم الماضي العريق للموقع ومستقبله الواعد، وفي الوقت نفسه ترتقي بالمتحف إلى المعايير الدولية المعاصرة.”
تجسيد المعنى من خلال التصميم والمواد
ينبثق شكل المتحف من دراسة متأنية للسياق التاريخي للموقع، حيث يبرز التصميم المعالم الأثرية القديمة ويقدم في الوقت نفسه متحفًا متطورًا يلبي الاحتياجات الثقافية المعاصرة لمدينة العين.

خصص لكل عنصر مساحة عرض خاصة يعكس تصميمها المعماري تاريخ العنصر، مما حافظ على هوية كل عنصر مع إعادة تفسيره ضمن لغة معمارية معاصرة.
تعتمد عمارة المتحف على لغتين تصميميتين متكاملتين:
- الأولى لقاعات العرض الأثرية.
- الثانية لقاعات العرض الموسعة وبقية البرنامج الوظيفي للمتحف.
يرسخ المتحف الجديد استمرارية بصرية تنساب بسلاسة بين التاريخي والمعاصر. كما تضفي المواد المحلية المستخدمة، مثل الحجر الجيري المنحوت، ارتباطًا مباشرًا بحصن سلطان، بينما جاءت التشطيبات الحديثة لبقية المباني بلمسة بيضاء معاصرة مستوحاة من متحف عام 1969.
تمتد صالة العرض الجديدة انطلاقًا من صالات العرض القديمة لتشكل رابطًا واضحًا بين التراث والحداثة. أما بقية البرنامج الوظيفي، بما في ذلك مدخل المتحف، والمساحات الداعمة، والمقهى، والمتجر، ومكتبة الأبحاث، ومخازن المقتنيات، ومختبرات الترميم، والمساحات الإدارية، فقد وزعت بعناية عبر الموقع لتلتف حول صالات العرض الأثرية وتتصل بها.
يسهم هذا التوزيع المدروس في إرساء تسلسل هرمي واضح بين صالات العرض الرئيسية وبقية مرافق المتحف، بما يضمن الوضوح والانسجام ويوفر تجربة ممتعة للزوار.
أرشيف حي للثقافة والتواصل الزمني
تتمثل رسالة متحف العين في أن يكون مركزًا لجمع ودراسة وحفظ وتفسير الثقافة المادية لإمارة أبوظبي ودولة الإمارات، مع تعزيز الهوية الوطنية والثقافة والشمول الاجتماعي.

إلى جانب قاعات العرض، يضم المتحف مختبرات للترميم، ومخازن آمنة للمقتنيات، ومكتبة بحثية، وتعمل هذه المكونات مجتمعة على تجسيد وتعزيز رؤية الجهة المالكة للمؤسسة.
صممت تجربة الزوار على مستويين متكاملين:
- تجربة الحديقة الأثرية في المستوى السفلي، حيث يتفاعل الزائر عن قرب مع العناصر الأثرية.
- تجربة المتحف في المستوى العلوي عبر ممر مرتفع يوفر رؤية شمولية وتأملية للموقع.
تتكامل التجربتان لتقدما فهمًا أعمق للمشهد التاريخي للمتحف والهندسة المحيطة به.
كما تتخلل المشروع سلسلة من الأفنية الخارجية التي تربط بين المستويات المختلفة، وتسمح بدخول الضوء الطبيعي إلى المساحات السفلية، مع توفير شرفات ومنصات للمشاهدة.
تعكس هذه الاستراتيجيات المعمارية، التي تجمع بين الشكل والمادة والتجربة، الروايات المتعددة حول الموقع وتاريخه، لتشكل مجمعًا متحفيًا متجذرًا في سياقه التاريخي ولكن بطابع معاصر.































